ما بين الأمس واليوم ،ومع هذا الكم الجارف من التحديات والمتغيرات الحياتية والتكنولوجية، فلم يعد الرأي العام كما كان في السابق ، فمن ساحة للنقاش إلى مصنع السرديات بمختلف رواياتها وتوجهاتها،فقد انتقلت "القهوة" وحديث الناس في الشارع والمنتديات التقليدية إلى "التايم لاين"، ومنصات التواصل الرقمي!.
وقد كان الرأي العام قديماً يُصنع في المقهى، وفي الجامعة، وفي خطبة الجمعة بطيئاً، محدوداً، وقابلاً للمراجعة، والمناقشة،
أما اليوم فقد انتقل إلى "التايم لاين"،وأصبح رقمياً، لحظياً، عابراً للحدود، ويُصنع بـالـ"ترند" والـ"هاشتاج".
هذا التحول لم يغير الأداة فقط.. بل غير قواعد اللعبة كلها،
فمن يملك "الرأي العام الرقمي" اليوم، يملك القدرة على صناعة "السردية"، وعلى توجيه الوعي، وعلى هز استقرار دول، وربما تقويض أنظمة،ومؤسسات.
ونعرض في هذه السطور لطبيعة وملامح هذا الرأي العام الرقمي الجديد ومؤشرات خطورته علي الأمن القومي والمجتمعي.
ـ أولا : ماهيته وصفاته القاتلة:
الرأي العام الرقمي:
هو مجموع الآراء والانفعالات والمواقف التي تتشكل وتُعبر عن نفسها عبر الفضاء الرقمي: منصات التواصل، التعليقات، الفيديوهات القصيرة، البودكاست، وغيرها.
ويتميز بـ 3 صفات قاتلة ومؤثرة:
1. السرعة الصاروخية: ما كان يحتاج شهراً للانتشار، صار يحتاج إلي 10 دقائق،وربما أقل.
2. الانفعال قبل العقل: فـ"الخوارزميات" تكافئ الغضب والدهشة أكثر من التحليل، فصار "الصراخ" أعلى صوتاً من "الحجة"،والقيمة.
3. تفكيك المركزية: لم يعد للإعلام التقليدي قوة كما كان ،فأي فرد لديه "موبايل"، يمكنه أن يطلق سردية وينافس مؤسسة!.
ـ ثانياً: دوره في "صناعة السردية":
السردية Narrative هي القصة الكبرى التي تفسر الواقع وتوجه السلوك، وتلخص التوجهات والرؤي المتباينة وكافة الانطباعات عن الماضي والحاضر والمستقبل.
والرأي العام الرقمي صار مصنع السرديات الأول عبر 3 آليات:
ـ آلية "التكرار يصنع الحقيقة": فـ"الهاشتاج" الذي يتكرر مليون مرة يصبح "حقيقة" حتى لو كان "كاذباً"!.
كما أن التعليقات المتطابقة تحت كل خبر تصنع "إجماعاً وهمياً" فيشعر المتلقي أنه "وحده المخطئ".
ـ آلية "الشاهد الأول": فالفيديو المصور من الشارع قد يتفوق على بيان "الوزارة"..
والصورة من قلب الحدث تصنع السردية قبل أن يصدر التوضيح الرسمي بعدة ساعات.
ومن يسبق في السرد.. يرسخ في العقل، وربما يتطلب جهوداً مضنية لشرح ابعاد الحقيقة وتصحيح المفاهيم الخاطئة.
ـ آلية "تجييش العواطف": فالسردية الناجحة رقمياً ليست الأكثر دقة، بل الأكثر إثارة وتسويقها،أو إيلاماً أو إغضاباً، فحياكة قصة مؤثرة وإنسانية لطفل واحد ، قد تهزم 100 تقرير إحصائي.
وهنا يتحول الرأي العام من "أداة فهم" إلى "أداة حشد".
ـ ثالثاً: مؤشرات الخطر على الأمن القومي والمجتمعي:
حين يخرج الرأي العام الرقمي عن السيطرة، يتحول من "مرآة" إلى "سلاح". وتظهر عدة مؤشرات خطرة من ببنها :
ـ مؤشر "تفتيت النسيج المجتمعي":
صناعة "سرديات التقسيم"..
أغنياء ضد فقراء، مدن ضد ريف، جيل قديم ضد جيل جديد.
ويتحول الهدف من الحوار الهادف إلي النقاش الحاد.. والنتيجة تفجير الثقة من الداخل ،وحين تنهار الثقة المجتمعية، ربما ينهار كل شيء ولو بصورة تدريجية أوصامتة !.
ـ مؤشر "استهداف الثوابت والهوية": فالهجوم "الممنهج" على الرموز، على التاريخ، على اللغة، على الدين.
يبدأ الأمر بـ "سؤال بريء" وينتهي بـ "سخرية" ثم "إنكار".
هذه حرب "تآكل" لا "هدم"، هدفها أن يشعر الشاب بالاغتراب عن وطنه.
ـ مؤشر "التشكيك في مؤسسات الدولة":
سردية " لا أمل في الإصلاح،" مفيش فايدة" ، مع سرديات مسربة، وفبركة، واجتزاء، وتعميم.
والهدف ليس إصلاح المؤسسة.. بل إسقاط هيبتها في عقل المواطن.
ـ مؤشر "التحريض والتعبئة للفوضى":
هنا يتحول الرأي من "نقد" إلى "دعوة للهدم".
ويُوظف الغضب المبرر لتحويله إلى فوضى غير مبررة.
وهذه هي المرحلة الأخطر: حين يتحول "الرأي" إلى "الفعل" المنظم.
ـ مؤشر "الحرب النفسية والإحباط":
سردية "كل شيء ينهار"، "اهرب".
هدفها كسر الروح المعنوية، ونشر اليأس، ولا ريب أن الشعوب التي تفقد الأمل.. تستسلم قبل أن تحارب!
ـ رابعاً: لماذا هو أخطر من الرأي العام التقليدي؟
لأن له 3 أسلحة لم تكن موجودة من قبل:
1ـ سلاح "التنميط الخوارزمي": كل شخص يعيش في "فقاعة" ترى له ما يؤكد رأيه فقط. فيتطرف دون أن يدري.
2ـ سلاح "الجيوش الإلكترونية": لجان وحسابات وهمية تصنع "ترنداً"وهمياً وتوجه الرأي كقطيع.
3 ـ سلاح "اللاوعي": فصاحب الفيديو "15 ثانية"، والمؤثر.. يدخل العقل من باب "العاطفة" لا من باب "المنطق"!.
*خامساً: آليات المواجهة الحضارية:
المواجهة ليست بالمنع ،فالمنع يصنع سردية "التعتيم"،والحل في الاستيعاب والشراكة و"المنافسة" الجادة،عبر عدد من الآليات والإجراءات العملية:
ـ سرعة الرد بالحقيقة:
"من يسبق في السرد يكسب"، يجب أن يكون هناك "مركز سرديات" يرد خلال فترة زمنية وجيزة علي مدار الساعة لا خلال يوم، بالدليل، وبالصورة، وبالشفافية.
ـ صناعة سردية مضادة جاذبة: ففي معظم الأحيان
لا تكفي بيانات النفي ،نحتاج "قصص نجاح"، "نماذج ملهمة"، "لغة الشارع".
نحكي حكاية الوطن كما يريد الشباب أن يسمعوها.. قصيرة، صادقة، وعلى منصاتهم.
ـ 3. بناء "مناعة رقمية": ويأتي عن طريق تدريس "التفكير النقدي" و"محو أمية الإعلام" في المدارس.
وايضا تعليم الطالب كيف يكشف "الفبركة"، وكيف يسأل: "من المستفيد من هذه الرسائل؟"
ـ تمكين "المؤثرين الوطنيين": فلا تترك الساحة لصوت واحد. ادعم صناع المحتوى الصادقين المخلصين لوطنهم ،فالمعركة اليوم ليست بين "دولة وإعلام".. بل بين "سردية وسردية".
وخلاصة القول : إن الرأي العام الرقمي سلاح ذو حدين،فهو ليس شراً مطلقاً.
يمكن أن يكون أداة إصلاح تكشف الفساد وتحاسب المقصر وتتابع هموم ومشكلات الناس.
ويمكن أن يكون أداة هدم تهز الاستقرار وتزرع الكراهية، وتوجه لتنفيذ أجندات خبيثة.
والفرق بينهما كلمة واحدة: هي "الوعي".
في النهاية، السؤال ليس "كيف نوقف الرأي العام الرقمي؟"
السؤال هو: "من سيصنع سردية هذا الوطن؟ نحن أم غيرنا؟".
الأمن القومي لم يعد دبابة وطائرة فقط،بل اصبح اليوم هو "عقل المواطن" والرهان علي وعيه وإتاحة آليات تحصينه وتعزيز مناعته..ومن يخسر المعركة على "التايم لاين".. قد يخسر المعركة على الأرض.
# رسائل لمن يهمه الأمر:
ـ إن أعظم مجد في الحياة لا يكمن في عدم السقوط أبداً، بل في النهوض في كل مرة تسقط فيها.
ـ لا يحزنك أنك فشلت ما دمت تحاول الوقوف على قدميك من جديد.
ـ ليس خطأ أن تعود أدراجك ما دمت قد مشيت في الطريق الخطأ.
ـ حلاوة الظفر تمحو مرارة الصبر.